المقريزي
91
المقفى الكبير
من قبل أبي منصور تكين أمير مصر . فخرج إلى سرت ولقي حباسة فاقتتلا وانتصف كلّ منهما وامتنع من صاحبه . فعزل تكين أبا النمر بخير المنصوري . وبلغ ذلك حباسة ، فبعث إلى أبي النمر ، وهو مواقفه : « ما يحملك على حربنا وأنت معزول ؟ » وبعث إليه بكتاب ورد عليه من مصر بذلك . فانصرف أبو النمر إلى برقة ، وتبعه حباسة ، ومضى أبو النمر إلى مصر ، فملك حباسة برقة . وخرج منها فلقي خير المنصوري وهزمه ، وأقبل بجيوشه إلى الإسكندريّة ، فدخلها يوم السبت لثمان خلون من المحرّم سنة اثنتين وثلاثمائة ، ومعه ما يزيد على مائة ألف . فقدم القاسم بن سيما « 1 » من العراق ، وقدمت الجيوش مددا لتكين . فخرج أوّل العسكر من مصر إلى الجيزة في خامس جمادى الأولى منها ، وخرج تكين في تاسعه فعسكر بها . وخرج حباسة من الإسكندريّة ، فعسكر بمشتول من أرض الجيزة . ونودي بالنفير في الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة ، فلم يتخلّف عن الخروج إلى الجيزة أحد من الخاصّة والعامّة ، إلّا نفر [ ا ] يعذرون بعلّة أو حال عجز عن الحركة . ثمّ انصرفوا عشاء ولم يكن لقاء . ثمّ نودي بالنفير يوم الخميس بعد ذلك بيومين . فخرج الناس خروجا لم ير مثله قطّ في الاجتماع والنشاط وحسن البصيرة . وأتاهم حباسة في جيشه يومئذ فيما بين الظهر والعصر ، فالتقوا فكثرت القتلى بينهم ، وقتل أكثر رجال حباسة وانهزم باقيهم ، فتبعهم جمع من الرعيّة ، وعبروا خلفهم خليج بوهة « 2 » ، وقد دخل الليل ، فخرج عليهم كمين لحباسة بعد الغروب ، فقتل منهم نحوا من عشرة آلاف . وأصبح الجند على مصافّهم بالجيزة يوم الجمعة ، وفيه نودي بالنفير وقت صلاة المغرب ، فاضطرب الناس لذلك اضطرابا شديدا ، وخرجت الرعيّة إلى الجيزة ليلهم كخروجهم بالأمس . ثمّ عادوا إلى [ 412 ب ] الفسطاط غداة يوم السبت ولم يكن لقاء . وعاد حباسة إلى الغرب ، فعند وصوله إلى المهديّة قتله المهدي [ . . . ] . وقال نافع بن محمد بن عمرو في واقعة حباسة [ الطويل ] : ألا شقّ جيب الصّبر إن كنت موجعا * ولا يلف لاح فيك للعذل مطمعا لما دهم الإسلام من فجع حادث * تهمّ له أركانه أن تضعضعا لمصرع إخوان على الدين صرّعوا * لنصرة دين اللّه يا لك مصرعا ! فماتوا كراما ما استضيموا أعزّة * يلاقون في اللّه الأسنّة شرّعا 5 ألم ترهم يوم الخميس ، وقد غدا * عدوّهم فيمن أعدّ وأجمعا ؟ وقد صاح فيهم بالنفير أميرهم * فجاءوا سراعا ، حاسرين ودرّعا فصادمهم في الناكثين فأيّدوا * وكان حماة الدين أعلى وأمنعا « 3 »
--> - المعارف الإسلامية 1 / 104 ) . وفي اللسان ( بنى ) : هم أولاد الفرس الذين استقرّوا باليمن بعد محاربتهم للحبشة وتزوّجوا من العرب . ( 1 ) القاسم بن سيما الفرغاني ، أحد قوّاد المكتفي والمقتدر ( العيون والحدائق 568 ، وفيها أنّه مات سنة 305 ) . ( 2 ) خليج بوهة : لم نتعرّف عليه . ( 3 ) في ولاة مصر 271 : فابدءوا .